بورقيبة المزعج حيّا و ميّتا …

تاريخ النشر : 2021-04-06 - 19:00:51
13 : عدد المشاهدين

في رسالة إلى بن عليمحمد الصياح طالب بالإفراج عن بورقيبة

كان محمد الصياح مؤرخ سيرة الزعيم وأحد رجالات عهد حكمه من القلائل الذين تجرّؤوا وطالبوا بن علي بالإفراج عن بورقيبة من “سجنه بدار الوالي بالمنستير”
وقد جاء في الرسالة التي وجهها إلى بن علي يوم 25 أفريل 1990 (الموافق ل 29 رمضان 1410) في هذا الموضوع ما يلي:

تونس في 29 رمضان 1410 / 25 أفريل 1990
إلي سيادة الرئيس زين العابدين بن علي
رئيس الجمهورية
سيدي الرئيس:
يطيب لي بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك أن أتقدم إلى سيادتكم بأحر التهاني وأطيب التمنيات راجيا لكم دوام الصحة ومزيد التوفيق في القيام بمهامكم السامية على رأس الدولة.
ولكن هل يمكن لأي وطني صادق أن يعرب لكم عن هذه المشاعر النبيلة بدون أن يفاتحكم في شأن سلفكم الرئيس الحبيب بورقيبة ويبوح لكم بعميق انشغاله بوضعيته وبما لها من انعكاسات على معنويات الأمة وتماسكها على المدى القريب والبعيد، فضلا عمّا في هذه الوضعية من تناقض مع مقتضيات دولة القانون التي تبوّأتم لخدمتها وتدعيم أسسها.
لذلك أستسمحكم في أن أغتنم مرة أخرى مثل هذه الفرصة لأتوجه إليكم بنداء ملؤه الأمل في أن تأذنوا بوضع حد في أقرب الأوقات لعزلة زعيمنا الوطني وتمكينه على الأقل من استقبال كل من يأنس إليه ويرغب شخصيا في اللقاء به.
تقبّلوا،سيدي الرئيس، فائق عبارات التقدير والامتنان.

 

الساعات الاخيرة لبورقيبة
سعيدة الدوكي طبيبة نفسية

تقول في شهادتها أنه وقعت دعوتها في أواخر شهر مارس 2000، حيث تم نقل بورقيبة إلى المستشفى العسكري بتونس، في محاولة أخيرة لإنقاذه ، وقد كلفت وقتها بمرافقته إلى المنستير ، ومتابعته حتى آخر مماته.
في شهادتها أكدت الدكتورة سعيدة الدوكي، انها لم تنس اليوم التاريخي ، الذي كان لها فيه شرف لقاء بورقيبة، إلا أنها لا تستطيع أن تتذكر التاريخ، ولا حتى تاريخ وفاته، الذي تبعه بعد بضعة أسابيع، كما لو أن ذهنها رفض تسجيل ذلك التاريخ، كما فعل مع تاريخ وفاة والدها.
تروي الدكتورة الدوكي التفاصيل، منطلقة من اللحظة التي رن فيها جرس هاتفها الخلوي، حيث كان زميلها وصديقها الأستاذ محمد قديش، هو المتصل، والذي أعلمها بضرورة توجهها الى المستشفى العسكري، لرؤية الزعيم بورقيبة.
تقول الدكتورة إنّها كانت تنظر الى بورقيبة، يرقد على سرير المستشفى، حيث ضعف جسده، ولكن رأسه كان ممتدا إلى الامام كالمعتاد، كرأس الإمبراطور الروماني، بنظرته الثاقبة.. كان يعاني، ويتذمر، كان يتمتم، كان عاجزا عن الكلام، بسبب الانهيار الواضح في قدراته المعرفية، وغير قادر عن النوم، كما كان يعاني من مشكل عدم قدرته على التغذية، كان متشنج الأعصاب، يصرخ، وكان لا بد من التخفيف عنه، وتهدئته. جرعة حقنة الزعيم بورقيبة، حصلت المعجزة، دخل بورقيبة في نوم هادئ يرقد بسلام.
وتقول الدكتورة سعيدة الدوكي أنّ الضرورة كانت تقتضي إعادة بورقيبة في أسرع وقت الى المنستير ، حتى لا يتساءل الناس عن سبب إقامته في المستشفى، وتم نقله في اليوم التالي، مما أثار استياء ابنه، طالبا منها مرافقتهم، و تمّ اختيارها بدلا من طبيب نفسي عسكري، وذلك بكامل السرية. وأكدت الدوكي في شهادتها أنه سُمح للعديد من الأقارب والأصدقاء بزيارات أخيرة للزعيم.

بعد موت الزّعيم، اعتبرت الدوكي في شهادتها، أن الفترة الحاسمة، هي وقت التجهيز للجنازة، حيث دارت المناقشة بين بورقيبة الابن، والوالي، الذي كان مرتبطا بتعليمات «زين العابدين بن علي»، وكانت المسألة مرتبطة بتنظيم جنازة وطنية، بحضور كل أصدقاء بورقيبة، ورؤساء الدول، وحمل التابوت على الأكتاف، إلى مثواه الأخير. وأضافت الدوكي «خلال مناقشة التفاصيل بين الرجلين، بكيت، في صمت، حتى لا أزعجهما، علمت أنه لم تكن لبورقيبة أيّة أملاك، وأن حسابه المصرفي لم يسجل أبدا راتبه كرئيس للجمهورية”. وإدراكا لحزني العميق، وعدني  بورقيبة الابن بدعوتي لحضور الجنازة، وطلب على الفور عنوان بريدي. لكن ما حدث لاحقا، كان صدمة للجميع، وخاصة نقل الجثمان بالطائرة” مضيفة “عرفت وقتها مصير زين العابدين بن علي المحتوم، الذي سيكون على المدى القصير أو الطويل، لأن الشعب لن يغفر ما حصل مع بورقيبة. الموت في ثقافتنا، يجب أن يمسح كافة التظلمات المحتملة. بورقيبة الذي سيظل الرئيس الوحيد في البلاد، والذي تم تجريده من هذا  اللقب نتيجة العديد من الخيانات”.

 

 

الجنازة، بورقيبة المزعج حيّا وميّتا

توفي بورقيبة في 6 أفريل 2000 و قد منع بن علي وقتها نقل جنازته مباشرة على التلفزيون، كما رفض عرض شريط فيديو يروي حياته إلى جانب رفضه حضور وسائل الإعلام الأجنبية وشخصيات عالمية كانت مقربة من بورقيبة مراسم الجنازة.
ففي الثامن من أفريل و في حدود الثالثة ظهرا وعلى الطريق المؤدّية إلى ضريح الزعيم بورقيبة. كان الفريق التلفزي جاهزا في إنتظار إنطلاق مراسم جنازة أوّل رئيس للجمهوريّة  الذي توفي قبل يومين عن سنّ تناهز 99 سنة قضاها في خدمة بلاده لكن عندما كان المخرج يستعدّ لإعطاء إشارة البث رنّ الهاتف وكان على الخط عبد الوهاب عبد الله الذي أمر بقطع البثّ و إيقاف كلّ شيء قبل أن يغلق الخطّ و ذلك بعد منع كلّ الغرباء و الأجانب من الوصول الى المنستير.
يومها تسمّر التونسيون الذين فقدوا زعيمهم أمام شاشات التلفاز ينتظرون بفارغ الصبر انتهاء برنامج وثائقي على “قناة 7″ حول الفيلة في تانزانيا ليتمكّنوا من مشاهدة الجنازة لكن بمرور الوقت بدأ التوتّر وطرح الأسئلة و انطلقت رحلة البحث بين القنوات. وحدها قناة tv5 كانت على استعداد للبثّ بتخصيصها برنامجا مباشرا لنقل موكب الجنازة تواجد فيه كلّ من جون دانيال و غي سيتبون و هالة باجي و حميد برّادة لكن بمضيّ الوقت لاحت على ملامحهم علامات التوتّر. وبعد ساعة اتصلت القناة بسفارة  تونس بباري فكان ردّ الموّظّف «على الأغلب لن يوجد إرسال … التونسيون في حالة حزن ولا نريد تعميق آلامهم”
وتعليقا على ما حدث كتب بعد مدة قائلا: «حتى ميتا كان بورقيبة يزعج بن علي» لقد كان لبورقيبة الحق في جنازة رسميّة لأنّ السلطة لا يمكن أن تدار بغير هذه الطريقة لكن كلّ شيء رتّب لتقزيم هذه المناسبة حيث تمّ شحن تابوته في الجزء السفلي من الطائرة المخصص لنقل البضائع (!) وحتى بعض زعماء العالم المعروفين مثل نيلسون مانديلا الذي لم ينس الإستقبال الذي حفّه به بورقيبة سنة 1962 فقد تم ردعهم حتى لا يحضروا جنازته.
أمّا موكب أربعينية الزعيم بورقيبة فلم يدم سوى 15 دقيقة اقتصرت على مداخلة بخمس دقائق للشاذلي القليبي و تدخّلا للأمين العام للتجمّع خصّصه للحديث عن صانع التغيير اكثر من الراحل أمّا إحياء الذكرى السنوية لوفاة بورقيبة فقد كانت تختصر في تلاوة الفاتحة ووضع إكليل من الزهور على ضريحه و طيلة 23 سنة من حكم بن علي كانت الأوامر تتلخص في تجاهل زعيم الأمة.

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin