ازمة “السداري” ꓽشبهات فساد رشوة محاباة…أصحاب المطاحن و اتحاد الفلاحين في قفص الاتهام

تاريخ النشر : 2020-11-16 - 16:29:26
301 : عدد المشاهدين

يؤكد عدد من الخبراء و العارفين بالشأن الفلاحي على ضرورة حماية امننا الغذائي في ظل وضع اقتصادي عالمي صعب من خلال المحافظة على توازن كل المنظومات الفلاحية و لعل من بين شروط بلوغ هذا التوازن حماية ثروتنا الحيوانية و هذا ما يدفعنا للتفكير في كيفية تقليص العجز العلفي الذي تعيشه بلادنا مع وجود عدة عوائق تحول دون تحسين الأوضاع .
فملف الاعلاف و خاصة الاعلاف المدعمة و توزيع مادة “السداري” يلفه الكثير من الغموض و الضبابية .ملف متشابك الأطراف تحوم حوله شبهات الفساد و الرشوة و الوساطة و هذا بتأكيد من الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي تعهدت بعدة عرائض في الغرض … كل هذا يبعثنا على طرح العديد من الأسئلة ꓽ
لماذا يطفو هذا الملف على السطح دائما دون تحرك السلط المعنية لحلحلته رغم تشكيات الفلاحين من مختلف جهات الجمهورية و احتجاجاتهم المتكررة ؟
من يتحكم في مسالك توزيع مادة السداري و كيف تتم العملية ؟
و من المستفيد الرئيسي من تواصل هذه الوضعية السيئة وعدم وصول هذه الماد المدعمة لمستحقيها ؟
هل من حلول لتجاوز هذا الاشكال القديم المتجدد كل سنة ؟

حسب المعطيات التي جمعناها من اهل الاختصاص هناك نوعين من اشكال التزويد بمادة السداري الاولى لصغار الفلاحين مباشرة عن طريق نيابات التزود يشرف عليها اتحاد الفلاحين باعتباره ممثلا لهذه الفئة اما التوزيع فيكون على حسب عدد القطيع لكل فلاح من خلال احصائيات يشكك العديدون في مصداقيتها … الشكل الثاني يخص مصانع الاعلاف التي يوزع رخص تزويدها مصالح ديوان الحبوب بالتنسيق مع اللجنة الجهوية لتوزيع مادة السداري و كل مصنع لديه كمية محددة حسب طاقة الإنتاج من الاعلاف .
المندوبيات الفلاحية طبعا طرف في اللجنة الجهوية لتوزيع السداري التي تجتمع تقريبا كل 3 اشهر للتحيين او لإضافة نيابة جديدة للتوزيع ان لزم الامر. و لكل ولاية بالجمهورية نصيب من العلف المدعم حسب عدد القطيع و مدى توفر المراعي . و اللجنة الوطنية التي تضم كل الأطراف ذات الصلة بالموضوع هي التي تهتم بتحديد نصيب كل ولاية حسب الانتاج الوطني من القمح و حسب الكميات الموردة و حسب الفصول أيضا لان مادة السداري غالبا ما تكون متوفرة في فصل الصيف.
مع تزايد التشكيات و الاحتجاجات عملت وزارة الفلاحة العام الفارط و بصفة استثنائية على الترفيع في حصة عدد من الولايات من مادة السداري لكن ذلك لم يكن مرضيا نظرا لنقص التزود بهذه المادة . مشكل التزود ارتبط بانتشار السوق السوداء في القطاع و الرفع من أسعار مادة السداري .فنصف الكمية تقريبا توزع بصفة غير قانونية و تتداول في مسالك توزيع ملتوية. اما المطاحن فهي جزء من الاشكال أيضا فهي ترفض تزويد المسالك المعترف بها و تعتمد كميات معينة للمتاجرة مع غير الفلاحين كالمخابز و تجار الجملة رغم عدم قانونية مثل هذه التصرفات لتصبح المطاحن المستفيد الأول من تدعيم الدولة لهذه المادة .
غلاء الاعلاف و تضاعف أسعارها و ذهاب العلف المدعم لغير مستحقيه جعل الفلاح التونسي في “خانة اليكّ ” … “نافق او وافق او غادر البلاد” …. فإما ان ينضوي تحت “الماكينة” و يقبل بالشروط المعمول بها … او يبحث عن وساطة تمكنه من حقه او يتخلى عن قطيعه شيئا فشيئا و هذا ما يبعث على القلق بخصوص منظوماتنا الغذائية التي يمكن ان تتهاوى في حال استمر الوضع على ما هو عليه اكثر.
فبعد ان كانت قاعدة البيانات بخلايا الارشاد الفلاحي بمختلف جهات الجمهورية هي المرجع الأساسي لتوزيع العلف على الفلاحين اخذت الأمور منعرجا جديدا هذا ما جعل الكثيرين يوجهون انتقاداتهم للسياسة المتبعة في عملية توزيع هذه الاعلاف بعد ان كثر الحديث عن تزوير قائمات المنتفعين بإدراج أسماء لأشخاص لا يملكون مواشي أو التضخيم في عدد رؤوس الماشية الحقيقي. مما ادى إلى حرمان بعض مربي المواشي من حقهم، في حين يتمتّع غيرهم ممن لا يملكون مواشي بمادة العلف المدعم بهدف المتاجرة بها و تتم العملية حسب عدد من الفلاحين صلب النيابات من خلال أسماء وهمية ثم تجمع الكمية لتباع في السوق السوداء و تتقاسم كل الأطراف المبلغ و هذا ما خلق موجة من الاحتجاجات شملت تقريبا مختلف جهات الجمهورية.

تحدثنا مع هيثم الوسلاتي فلاح من جهة تستور من ولاية باجة حيث اكد لنا ان نصيب ولاية باجة من مادتي الشعير و السداري ضئيلة مقارنة بالولايات الأخرى بالساحل و الجنوب رغم تغير العوامل المناخية التي اثرت على المراعي بالجهة و أضاف الوسلاتي ꓽ “هناك تمييز بين الولايات في اسناد مادة السداري و حتى صلب الولاية ذاتها هناك تمييز بين المعتمديات فنصيب باجة الشمالية و باجة الجنوبية يعادل 5 او 6 اضعاف نصيب تستور من هذه المادة “.
وواصل محدثنا قائلا ꓽ” العلف المركز باهض الثمن و الفلاح يحاول الضغط على المصاريف من خلال مادتي الشعير و السداري و للأسف المسيطر على مسالك هذه المادة هو اتحاد الفلاحين فالاتحاد هو من يشرف على العملية و يقدم القائمات الاسمية للمندوبيات و المزود يبيع للفلاح بشروطه ايضا. و الغريب في الامر انه لابد ان يكون الفلاح من منخرطي اتحاد الفلاحة كي يتمتع بهذه المادة ويجب ان يقدم للمزود ما يثبت ذلك علاوة على ضرورة دفعه لمبلغ مالي لاتحاد الفلاحين لتسلم وصل يخول له الحصول على نصيبه من مادة السداري “.
و تابع الوسلاتي ꓽ” العديد من الفلاحين وجدو انفسهم مجبرين على الانخراط صلب اتحاد الفلاحة للحصول على مادة السداري و هناك من هو مسجل بنقابة الفلاحين و باتحاد الفلاحين في الان ذاته رغم اختلاف توجهات هذين الهيكلين النقابيين.
و أضاف محدثنا ꓽ” يجب ان لا ننسى أيضا ان الكمية يمكن ان تزيد في حال دفع الفلاح رشوة او كان له احد المعارف و هذا ما قلص الكميات بالنسبة للفلاح البسيط الذي لا يعتمد الطرق الملتوية للوصول لحقه”.
وأشار الي أنّ أغلب الفلاحين كانوا يعتمدون على العلف المنتج في تونس أو زراعة الأعلاف في أراضيهم، مبينًا أن بعض مربي الأبقار والماشية لا يملكون مراعي وهو ما يستوجب تدخل الديوان الوطني لتربية الماشية لتوفير المرعى لتشجيع مربي الأبقار على المواصلة . إلى جانب العمل على توسيع المساحات المخصصة لزراعة الذرة العلفية وبقية الأنواع المحلية للتقليص من توريد العلف.
كما طالب محدثنا بضرورة إعادة التفكير في كيفية العودة لإنتاج العلف المحلي قبل إنشاء شركات توريد العلف المركب، مع توزيع المراعي الكفيلة بتوفير العلف للفلاحين بأقل تكلفة.

حمزة لسود فلاح من منطقة الجديدة اكد لنا وجود اطراف تتحكم في الاعلاف خاصة مادة السداري فالفلاح يسجل اسمه شهريا في قائمات بالمعتمديات لأخذ الايصال الذي يتوجه به للمزود لكنه يصدم بتقديم الكمية منقوصة او بعدم وجود المادة أصلا مما يضطره للتوجه للسوق السوداء فعوض ان يشتري الكيس ب13.500 دينار ترتفع الأسعار لتصل الي 30 دينار و اكثر . وفي بعض الأحيان يضطر الفلاحة للاقتناء من المزود ذاته بهذه الأسعار المشطة و الغير منصفة .
وواصل حمزة قائلا “لدي 7 بقرات يعني كيس لكل بقرة لكن امام المزود اتحصل على كيس او اثنين فقط و اضطر لاقتناء بقية الاكياس من المزود ذاته بأسعار السوق السوداء “فترافيك السداري على عينك يا تاجر”…
و أضاف ذات الفلاح “كل أنواع الاعلاف موجودة في نقاط البيع عدى السداري مما اضطر الفلاحة للتزود بالشعير و الفول و غيرها في فصل الصيف و رحيها في الطاحونة لتوفير الغذاء لحيواناتهم في هذه الفترة بالتحديد التي ينقص فيها المرعى و ترتفع فيها اسهم السوق السوداء”.
و قال محدثنا “قمت بمشروع فلاحي في تربية الابقار لكن منذ سنتين و الوضع من سيء لأسوء فالأمراض تلاحق القطيع كاللسان الأزرق مثلا و الاعلاف أسعارها في ارتفاع و السداري بالسوق السوداء .حتى البيع لا يوفر ربحا فقد عرضت احد العجول و عمره 10 اشهر للبيع و لم اتلقى سوى 1100 دينار فقط كسعر اقصى و هذا فيه خسارة كبيرة للفلاح .

التغيرات المناخية و انحباس الأمطار وعدم توفر المراعي الطبيعية بعدد من الجهات جعل هذا الملف يطفو في كل مرة على السطح من جديد و رغم الإجراءات المتبعة لتقنين وتنظيم عملية توزيع الاعلاف المدعمة على الفلاحين في مختلف الجهات ما زال هؤلاء يطالبون بمزيد مراقبة عمليات التوزيع التي تحوم حولها شبهات الفساد و تتداخل فيها الأطراف و تتشابك إضافة الي تقليص الكميات الموردة من العلف المركب المرتفع الثمن .
كما اكد عدد من المطلعين على المجال ان الحلول عديدة لهذا الاشكال لعل من بينها مراجعة هامش الربح و التدخل لدى المطاحن للإيفاء بحاجيات الجهات من مادة «السداري» مع تكثيف فرق المراقبة الاقتصادية لمراقبة نقاط توزيع المادة.
و اكد ذات المصدر ايضا على أيضا على أهمية دعم قطاع إنتاج العلف المحلي بأقل تكلفة بتوفير المواد الضرورية كالذرة والفول والشعير وغيرها من المواد الأخرى التي تستعمل كأعلاف منذ سنوات خلت قبل توريد العلف المركب بتكلفة مرتفعة مع مراجعة قائمات التجار المرخص لهم .

تحديد المسؤوليات و كشف الغطاء عن المتورطين صار اليوم ضرورة في ملف الاعلاف المدعمة كبداية لحلحلة هذا الاشكال السنوي بهدف وصول الدعم لمستحقيه .
و تبقى الفلاحة هي الحل رغم قصور الرؤى و عدم الاستغلال الأمثل لهذا القطاع الذي بلغ 3.6 من القيمة المضافة خلال الثلاثية الثالثة لهذا العام .

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin