الهوية الوطنية، الثقافة الجامعة ام الضيقة؟

تاريخ النشر : 2021-04-03 - 18:00:08
18 : عدد المشاهدين

كتب الدكتور صلاح الدين العامري

استاذ وباحث جامعي

 

مرّة أخرى نذكّر بالعلاقة الجدليّة بين الثورات وصناعة ثقافات جديدة تختلف عن الثقافات التي فشلت وأدّت إلى الثورة. وغالبا ما تكون الثورات بوجهين: وجه سلبي ظاهر  وآخر إيجابي مخفي. وإذا حدث الفعل الثوري الجماهيري، واستمرّ الوضع على ما كان عليه أو عرف حركة تراجع سريعة ومريبة، ينتقل المجتمع آليّا إلى دائرة الفوضى ويتضاعف منسوب الإحباط واليأس، ويخرج الأفراد والجماعات من دائرة التفكير العقلي حتى في درجاته الدنيا، للغرق في الشعوذة الثقافية والسياسيّة والاجتماعيّة والدّينيّة والأخلاقيّة، وتتردّى القيم وتنقلب رأسا على عقب.

  • ثقافة المؤامرة

من النتائج الخطيرة لهذه المرحلة تبنّي نظريّة المؤامرة في الفهم والفعل والتفاعل مع الأشياء من أبسطها إلى أعقدها، ويصطفّ الكلُّ ضدّ الكلِّ، ويبقى هذه الاصطفاف الفئوي الضيّق بدوره عرضة للانفجار وإعادة التشكّل وفقا للمصالح الآنيّة والإكراهات الخارجيّة. ويُنتج هذا الوضع الجديد بدوره حالة من التطاحن وانعدام الثقة وضعف الشعور بالانتماء وحتّى انعدامه، انطلاقا من النواة الصغرى للاجتماع وهي الأسرة إلى الجماعة الكبرى وهي المجتمع والوطن. وتفرز هذه الحالة بدورها رغبة جماعيّة  في رفض الآخر ونفيه وحتى العمل التخلّص منه بكلّ الأساليب المشروعة وغير المشروعة، لأنّ الشريك أصبح عدوًّا ومتربّصا وخائنا وفق الأعراف النفسيّة والاجتماعيّة الذاتيّة المتحرّرة من كلّ ضابط تواضعي جمعي عقلاني.

  • تفكيك الهوية الوطنية

ومن بين المفاهيم التي انتظرنا إعادة صناعتها على أرضية الحريات والحقوق، الوطن والمواطنة والوطنيّة. ليكون الوطن للجميع وتكون المواطنة قاعدة الانتماء للوطن، وتكون الوطنيّة قيمة عُليا ومرجعيّة جامعة للتنوّع والاختلاف من أجل المحافظة على والوطن وحماية المواطنة من التلاعبات والتوظيفات الإيديولوجية مهما كانت مرجعيتها. ولكنْ خابت الآمال وتبعثرت الأحلام بعد أن استشعرت الغالبيّة اتجاها صريحا للتثوير الهائل ضدّ هذه المفاهيم بأدوات عدّة، والعمل إعادة صناعتها بأساليب ومضامين تنهي صيغتها الشكليّة الموروثة تماما، وتفتحها على خصوصيات ماضويّة قاتلة وغير قابلة للتنزيل في الواقع المعاصر. ومن معاني [ثَوَّرَ] جَعَله يَثُور وهيّجَه، ويُقال ثوَّر عليه الشَرَّ: أظهَرهُ.

لقد تعرّضت مفاهيم الوطن والمواطنة والوطنيّة للاستهداف والتّمييع بدل المراجعة والتحديث والتطوير وفق المعايير الإنسانيّة التي يتكامل فيها الروحي والمادّي التاريخي. واتجهت السياسات الرسميّة إلى تهميش هذه القيم الأساسيّة للوجود في السياق المعاصر وترذيلها والحطّ من مكانتها تحت تأثير إيديولوجيات ماضويّة معدومة أو غير محيّنة في سياقها التاريخي، ودفعت بوعي أو بغير وعي إلى تثوير المواطنين ضدّها من خلال استهداف المؤسسات المنظمة لهذه القيم وفرض بدائل ضبابيّة وارتجاليّة على قاعدة هويّات ضيّقة وانتقائيّة، وجرى التشريع للفوضى واستباحة المؤسسات والقوانين وكل الأنظمة الرمزيّة البانية للاجتماع المدني على علاّتها الموروثة من أجل مصالح فئويّة ضيّقة. وفُسح المجال لبناء هويات على أرضيات مثل العرق والدّين والمذهب والجهة واللون والمكانة الاجتماعيّة وجهة الولاء في الداخل والخارج. كان المال والإعلام اليد الحديديّة لعمليات الهدم والتخريب الممنهجة. ومن مظاهر التخريب القصدي اتجاه عدد من القنوات الإعلاميّة بعد 2011 إلى الحفر في الجذور العرقيّة للتونسيين على أساس العروبة والأمازيغية، واتجهت أخرى إلى البحث في واقع الأقليات الدينيّة والمذهبيّة بهدف التّثوير وليس التنوير، وأثار البعض فتنا ومعارك بين العروش في قفصة وقبلّي وغيرها من المناطق التي لازالت تحتفظ بهذه الذاكرة الاجتماعيّة القديمة لأسباب سياسويّة، وتكفّل البعض الآخر بإثارة النعرات الجهويّة مثل الساحل والشمال والجنوب إذكاءً للأحقاد الموروثة وتفعيلها في عمليّة الهدم الحضاري، وحتى الأحزاب السياسيّة التي ظهرت بالمائات في مجتمع صغير جدا من حيث عدد السكان، اتخذت طابعا أسريّا وقامت على الولاء للأفراد والجاه والمصلحة الخاصّة، ونشأت على ثنائيّة الترهيب والترغيب، ولم تختلف في هياكلها ونُظم تسييرها كثيرا عن الرابط القبلي أو المذهبي أو الدّيني أو الجغرافي. ومن القيم المهمّة التي جرى استهدافها عيد الاستقلال الذي يمثّل رابطة عليا جامعة. هذه القيمة الجامعة يفترض توظيّفها لإعادة بناء هويّة وطنيّة تختلف عن تلك التي سبقت الحدث “الثوري”.

  • الهوية البديلة

من المؤلم أن يُجبر المجتمع التونسي على الاتجاه بخطى حثيثة نحو نزع هويّته الجامعة، وأساسها الوطن والمواطنة والوطنيّة بما فيها من إخلالات، ويُكره على الْتحاف هويات ضيّقة ومتحولة سلبيّا وانفجاريّة ومفتوحة على الفوضى. ولتجنّب هذا السيناريو القاتم، يُفترض أن تقوم الثقافات الثوريّة على سدّ الثغرات السابقة وتجاوز النقائص والتجاوزات والانحرافات، وفتح الآفاق المغلقة التي عرفتها ثقافة ما قبل الثورة. وباعتبار أنّ تونس قد عاشت الحدث الثوري ضدّ نظام استبدادي حبس الأجساد والعقول والأنفاس رغم بعض المنجزات المحترمة التي خطّطت لها الكفاءات الوطنيّة وأنجزتها، انتظر الجميع مرحلة جديدة بثقافة مختلفة، تتحرّر فيها العقول من معاقلها لتنطلق في فضاء الحريّة المنظّمة، وتبني مفاهيم جديدة، وتقدّم مقاربات استثنائيّة لمرحلة تاريخيّة لا تتكرّر دائما.

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin