النهضة في الاربعين…. ماذا بقي من الاتجاه الاسلامي؟ ( 1 من 4 )

تاريخ النشر : 2021-06-10 - 11:00:44
382 : عدد المشاهدين

 المهدي عبد الجواد

 

 

 

 

     مرّت منذ أيام (6 جوان) الذكرى الأربعون لإعلان ميلاد “الاتجاه الإسلامي” الذي تحول فيما بعد، وبطلب من بن علي الى “حركة النهضة”. أربعون سنة مرت فيها هذه الحركة ذات المرجعية الإسلامية بمحطات كبيرة، طبعت علاقتها بالسلطة والدولة ومختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وتراوحت بين النفي المتبادل وممارسة العنف المادي والإقصاء الإيديولوجي والبدني. ويحق لنا اليوم أن ننظر إلى هذا “العمر” الطويل لنقف عما طال هذا “التنظيم” من تحولات وما ظل عالقا به من “سمات البدايات”، لم تمحه السنون الطوال.

ستكون هذه القراءة “التاريخية” من أربع أجزاء، أولها يتعلق بعلاقة النهضة بالإخوان، وثانيها علاقتها بالدولة وثالثها علاقتها بالنخب أما الرابع فهو يتعلق بــ “مستقبل” هذه الحركة وموقعها في الخريطة السياسية والاجتماعية في البلاد. وسيتم نشر هذه المقالات تباعا.

 

 

 

1-4: في العلاقة بالإخوان

 

لم ينف راشد الغنوشي أحد مؤسسي حركة الاتجاه الإسلامي في بداياتها تأثره بالمرجعية الاخوانية في بدايات تأسيس الجماعة الإسلامية في تونس. فقد عبّر راشد الغنوشي في كتابه “حركة الاتجاه الإسلامي في تونس: بحوث في معالم الحركة مع تحليل ونقد ذاتي” على كون الحركة كانت ” ثمرة تمازج وتفاعل لعناصر ثلاثة” وهي التدين التقليدي التونسي ويشمل المذهب المالكي والعقائد الأشعرية والتربية الصوفية. أما الثاني فهو التدين السلفي الإخواني الوارد من المشرق. والثالث هو التدين العقلاني الحائر المتسائل الباحث عن نفسه. لذلك تأثرت “الجماعة الاسلامية” في تونس بالفهم المقاصدي للإسلام، والفكر اللبرالي والاجتماعي الغربي والفكر اليساري. كما عملت على إعادة الاعتبار للمدرسة الإصلاحية التونسية وإن بشكل متأخر.

 

ورغم ان الحركة لم تعلن صراحة في بيانها التأسيسي انتماءها للإخوان فإنها لم تنف ذلك أيضا. ولكن الأمر المؤكد أن الحركة قامت على منهج وفكر الإخوان المسلمين، واستندت إلى مؤلفات “تيار الصحوة” الاسلامي ورموزه، حسن البنا والسيد قطب والغزالي وابو الأعلى المودودي. وجاء في بيانها التأسيسي أنها –أي الاتجاه الاسلامي – “تعمل على بعث الشخصية الاسلامية لتونس…. وتجديد الفكر الاسلامي”. وتتشابه “النهضة” في تونس مع تنظيم “إخوان” الام في مصر، في مسألة العلنية والسرية فكلاهما له تنظيم مزدوج علني وآخر سري، وهو الامر الذي جعل القرار مزدوجا وبرّر الى حدّ كبير اتهام “الاخوان” بازدواجية الخطاب وجعل “الثقة” فيها مُتدنية جدا.

 

وإذا اعتبرنا السياسة هي ما يتمثله الناس، فإن “الدولة التونسية”، قبل الثورة وعموم المجتمع التونسي وأعدادا هائلة من النّخب التونسية، لا تشكّ في تصنيف الحركة على إنها إخوان تونس، ويؤكد انتماء رئيس الحركة ومؤسسها راشد الى مكتب الإرشاد العالمي لجماعة الإخوان المسلمين ذلك.ولقد ذكر نائب رئيس الحركة وأحد مؤسسيها عبد الفتاح مورو أن النهضة استمدت في بداياتها في أواخر الستينات توجهاتها من الفكر ألإخواني السائد آنذاك، ولكنها قطعت معه في 1978 لاختلاف الوضع بين تونس ومصر.

لكن الاختلاف الأهم بين تنظيمات الاخوان في المشرق وحتى في المغرب الاسلامي وحركة “النهضة” التونسية يكمن في اعتقادنا في كون “النهضة “لم تدرج في برامجها الانتخابية قضايا دينية تهمّ الشريعة الإسلامية، بقدر ما جعلت برامجها متعلّقة أساسا بشؤون الناس في الدنيا وليس في الآخرة. ويؤكد الغنوشي  أنّ مسألة الشريعة، وتطبيقاتها في بعض البلدان العربية جعلها موضعاً للالتباس “فهي تستخدم ضد الحقوق والحريات وضد المرأة وضد الفنون وضد غير المسلمين، كما أنّ قسماً من المجتمع التونسي قد يكون متوجساً من الشريعة، “.

 

هذا فضلا على قبول الإسلاميين في تونس بالفصل الأول من الدستور التونسي الذي تم إقراره العام 1959، الذي يؤكد أن تونس دولة حرة مستقلة لغتها العربية ودينها الإسلام، واقتناعهم بكون مجلة الأحوال الشخصية وحقوق المرأة ومُجمل الحريات الخاصة والمكاسب الاجتماعية والحريات حدود دُنيا لا يقبل التونسيون بالتراجع عنها.

 

وصرّح في هذا السياق عبد الفتاح مورو، نائب الحركة والعضو المؤسس فيها، أثناء مشاركته في الملتقى الوطني العاشر لشبيبة العدالة والتنمية سنة 2014  إلى أنّ “بناء الدولة مقدم على تطبيق الشريعة، التي لا يملك من يرفعونها تصوراً واضحاً عن كيفية تطبيقها”، وانتقد رفع التيارات الإسلامية لشعار الإسلام هو الحل دون تقديم برامج تترجم هذا الشعار إلى واقع. ولا يكاد زعيما الحركة التاريخيين يتحدثان على دولة إسلامية، إنما عن دولة ديمقراطية، السلطة فيها للشعب، وهو من يختار ممثليه، ولا يفرض عليه شيئاً لا يريده، كما أنّ الغنوشي يقدم تصوّراً عن العلمانية يقبل فيه بالعلمانية الجزئية التي تجعل من الدولة جهازاً محايداً تجاه كل مواطنيها، فهو يريد تحرير الدين من الدولة بحيث لا تتحدث باسمه، وهو الامر الذي جعل الحركة تفصل بين الدعوي والسياسي، في خطوة قد تقودها الى التمييز الكلي بين ما هو ديني وما هو سياسي.

 

لكن بعض أعضاء الحركة لا يسيرون في هذه التغييرات بنفس سرعة الغنوشي وجماعته،  فالنائب عن النهضة محسن السوداني والقيادي في الحركة جلال الورغي في 26 مايو 2016 يؤكدان أن النهضة «تفتخر بعلاقاتها بالإخوان المسلمين» وأن لديها «روابط فكرية وثقافية» معهم.

ومع تطوّر الأحداث السياسية بعد ثورات الربيع العربي، شرعت الحركة في النأي بنفسها تدريجيا – على مستوى الخطاب على الأقل- على الإخوان المسلمين، وعملت على إعلان كونها “إسلام ديمقراطي” وتخلّت على جانبها الدعوي في مؤتمرها العاشر سنة 2016، وحرصت على التحول الى تيار إصلاحي في علاقة انسجام مع مؤسسات الدولة.

على أن بعض المواقف الإقليمية للحركة ورئيسها تظل تشدّ “النهضة” بحبل سري إلى “تلك المنابت الاخوانية القديمة” مثلما بدا في موقف النهضة مما حصل في مصر، حيث تحولت “رابعة” الى شعار للحركة في تونس، ورفض الغنوشي اعتبار الإخوان حركة إرهابية، وكذلك انخراط إسلاميي تونس في المحور القطري التركي وتقاربهم مع “عمليات فجر ليبيا” إحدى الأذرع الإسلامية في ليبيا.

 

 

إن تغيير الإسلاميين لجلودهم من “الجماعة” الى “الاتجاه” الى “النهضة” يظلّ عند فئات واسعة غير كاف. ويبقى التوجّس المُتبادلُ والشكّ ومحاولات التنافي قائمة. وهذه التحولات التي نُقدّر أهميتها لا تعكس فعليا قطيعة تامة مع “الاخوان”. لكنه وعي من “النخبة الاسلامية” في تونس بكون “الإسلام هو الحل” شعار فارغ “درج على ألسنة الشعوب وعلى ألسنة قادة الحركات الإسلامية من دون وعي بمضامينه، ولم يقدِّم تفاصيل القضايا والبدائل” مثلما صرّح بذبك عبد الفتاح مورو الذي أضاف إلى أنّ “القضية الواقعية هي ليست تقويض الأنظمة بالقوة، بل هي الحرية للمواطنين”

 

(يتبع)

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin