تعويضات النهضة … السقوط الكبير

تاريخ النشر : 2021-07-12 - 14:55:41
110 : عدد المشاهدين

المهدي عبد الجواد

 

كانت تصريحات السبد عبد الكريم الهاروني القيادي البارز في حركة النهضة، ورئيس مجلس الشورى في “تجمع” لمناضلي الحركة بالقصبة، للمطالبة بتفعيل تنفيذ مخرجات “تقرير هيئة الكرامة” حول التعويضات من خلال صندوق الكرامة، سقوطا اخلاقيا وسياسيا كبيرا ….

وبقطع النظر على المآخذ السياسية والاجرائية العديدة المتعلقة بالتقرير النهائي لهيئة بن سدرين، فإن مآخذ قانونية أخرى تشوبه، وهو الامر الذي دفع الدولة التونسية الى  إن  تُثير قضية تدليس التقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة لدى القضاء التونسي. كما أن عشرات الضحايا،  قاموا بالطعن في  السجل الموحد للضحايا وقائمتهم النهائية التي أصدرتها بن سدرين، وثمة اتهامات جدية تطعن فيها  التدليس وتلاعب وتحيل وتزوير مُقررات، فضلا على أن أعضاء من الهيئة قد رفعوا قضايا بالمحاكم التونسية تفيد وجود تزوير في مُقررات جبر الضرر وتم تقديم إثباتات و تسجيلات في هذا الصدد، وهو ما يجعل أي محاولة لتنفيذ توصيات الهيئة في جبر ضرر بعض الضحايا، قد يتحول إلى استعمال مقرارات “مدلسة” وهو ما قد يكلف الدولة تبديدا مقصودا لأموالها العمومية  ويرقى إلى مستوى الفساد الجسيم.

على ان الاهم من هذه الجوانب الاجرائية والقانونية يتعلق بجوهر الموضوع اصلا. فحركة النهضة مثل غيرها من “تيارات المعارضة” الايديولوجية لم “تقاوم” النظام السابق من اجل حقوق الانسان او الحريات او العدالة الاجتماعية او مسائل تهم مشاغل عموم التونسيين، بل كانت جميعها  صراعات من اجل السلطة والحكم و”التمكين في الارض”، والحركة الاسلامية والتيارات القومية والبعثية والفصائل اليسارية الماركسية، لم يكن من ضمن أدبياتها مجالا لموضوع حقوق الانسان والديمقراطية، بل إن اغلبها كانت تروم إرساء أنظمة اكثر شمولية واستبدادا من النظام القائم، تحت مسميات مختلفة مغلفة بسرديات رومانسية حالمة حول الطبقة العاملة والأمة العربية او الاسلامية. وكان صراع النهضة دمويا وعنيفا ضد “الاستبداد” تم فيه استعمال العنف المنظم. ولئن استغلت الانظمة وخاصة بن علي مقدرات الدولة واجهزتها بعنف قد يكون مبالغا فيه أحيانا كثيرة، فإن الحركة الإسلامية انخرطت بدورها في حلقة العنف بحسب مقدراتها وقدرات ابنائها. عنف دار حول السلطة، ولم ينخرط فيه عموم التونسيين، ولعل بعض “جراح اانهضة” تكمن في تحميلها الشعب التونسي مسؤولية عدم مساندتها في صراعها مع النظام السابق، او التواطؤ معه.

ليست تونس اول بلد يعرف مسار عدالة انتقالي. ورغم انه من المبالغة مقارنة ما عاشته تونس تحت سلطان “نظام تسلطي” بتجارب شعوب اخرى عرفت الدكتاتورية والاستبداد والحروب الاهلية، فإنه وفي التجارب المقارنة العدالة الانتقالية يتم حسم ملفاتها في بداية مسار الانتقال الديمقراطي، وليس بعد عشر سنوات. إذ يتم مباشرة الشروع في ارساء دعائم “عدالة انتقالية” ينخرط فيها الجميع، المنظومة القديمة التي ضعفت ولم تنهزم، والمنظومة الجديدة التي قويت ولم تنتصر، ويتم تحديد طبيعة الانتهاكات ثم تحديد المسؤوليات ثم الاعتراف وجبر الضرر فالمصالحة النهائية. وهذا ما لم يحصل، إذ كانت “عدالة منقوصة” وموجهة، وشكلت امتدادا لنفس الصراع الذي دار في تسعينات القرن الماضي مع تبادل الادوار.

اليوم لنا حقبة جديدة بفاعلين جدد، لهم تجربة فيها أخطاء وتجاوزت وضحايا ومن الممكن ان تكون موضوعا لمسار عدلي آخر، رسمي جزائي او انتقالي، ثمة انتهاكات لحقوق الانسان، ويتواصل تهميش جهات قدمت ملفات تظلم لهيئة الحقيقة والكرامة، ثمة اغتيالات سياسية وجرائم ارهابية وفساد يعم كل القطاعات، ألا يحتاج هذا “نوعا من المساءلة”؟

ان العدالة الانتقالية تنظر إلى “الضحايا”، ليس من زاوية التعويضات المادية بل من جهة “الاعتراف” بدورهم النضالي لتحقيق غايات المجتمع السامية، وهذا امر ليس عليه اتفاق ولا يشمل اغلب من تقدم بملف لهيئة بن سدرين. كما ان وهدف العدالة الانتقالية هو ضمان عدم العود الى الانتهاكات، وانجاز المصالحة بين الشعب ومؤسسات الدولة، عبر إصلاحها واعادة هيكلتها، وهو ما لم يحصل البتة، إذ تم استبدال منظومة “تسلطية فاسدة” بأخرى لا تقل عنها تسلطا وفسادا،  وما حصل في تونس ضرب من الانتقام والتشفي من الاشخاص والمؤسسات والرموز الوطنية والتاريخ…. وهذا اخطر في تقديري من مسألة التعويضات…

إثارة التعويضات يبدو لي محاولة من النهضة لإعادة تحشيد انصارها وتهيئتهم للمحطات والتحولات السياسية القادمة، وكل المؤشرات تقود الى ان الوضع السياسي الداخلي سيعرف تحولا جوهريا وقد نمضي الى انتخابات “كسر عظام” مبكرة، ناهيك عما يشهده الاقليم والعالم من موجات جديدة ليس اقلها بداية التفكير في ما بعد “الربيع العربي” وما بعد “الحركات الاسلامية”. وخطاب الهاروني “العنيف” هو محاولة لابراء ذمة القيادة من “غضب” ضحاياها وضحايا الاستبداد.

في المحصلة تعجز النهضة دائما على البرهنة على قدرتها في الانخراط الواعي في “الزمن الوطني ” وفي “الهواجس الجماعية”، ففي الوقت الذي يسير فيه ايقاع تونس على وقع الكورونا، ويتوحد التونسيون حول مجابهة الوباء والغلاء ومقاومة الموت والفقر والافلاس، تخرج النهضة على السرب، ولا تهتم بغير مصلحة مريديها، واعادة توزيع علاقات “الهيمنة” في الحكم باثارة مسألة الحكومة السياسية في هذه اللحظة.

ثمة لحظات تاريخية نادرة، تكشف معادن الاشخاص والحركات والتيارات…  وتونس تعيش هذه اللحظة..

فمن انخرط فيها فاز….

ومن ضيعها ضاع….

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin