حتى يتحول الحوار الوطني الى مصالحة الشاملة؟

تاريخ النشر : 2021-04-02 - 12:31:22
159 : عدد المشاهدين

المهدي عبد الجواد

 

 

 

كان اعلان السيد نور الدين الطبوبي حول قبول رئيس الجمهورية بمبادرة الحوار الوطني التي كان الاتحاد قد تقدم بها منذ فترة، فاتحة للأخبار الطيبة. فقد شفع بإمضاء الحكومة والاتحاد على بروتوكول مبادئ يحدد “خارطة طريق” لجملة من الاصلاحات الضرورية والتي تأخر الشروع فيها. كما تلتها اخبار على نجاح الحكومة في توفير سيولة مالية هامة تطمئن التونسيين قليلا. مصادر اخرى تتحدث عن كون هذه الاعلانات المبشرة بالانفراج السياسي قد تكوم “الرسالة” الضرورية التي ينتظرها المانحون الدوليون، لاستئناف دعمهم للتجربة التونسية ورعايتها.

على ان الاهم من كل ذلك، هو مدى قدرة النخب التونسية على تحويل “فرصة الحوار” الى مدخل حقيقي لصياغة التسويات التاريخية الضرورية من اجل تحقيق المصالحة الشاملة، التي لا يمكن من غيرها حشد كل القوى الحية وتعبئة المجهودات الوطنية جماعيا لتحقيق الانقاذ الاقتصادي والإصلاح السياسي والاداري الكفيلة بتحقيق “القفزة التونسية” نحو المستقبل.

 

 السياق السياسي الحوار الفرصة

لا توجد في المستوى المنظور استحقاقات انتخابية، الاستحقاق البلدي او الجهوي مازالا بعيدين ومثلهما التشريعية والرئاسية، لذلك يمكن للقوى الحزبية والشخصيات “الطامعة” في الرئاسة، ايقاف حملاتها الانتخابية المتواصلة، من اجل مرحلة “هدنة انتقالية” ترتاح فيها البلاد والعباد من منسوبي التوتر والهياج العاليين. ولا يخفى على اي مراقب حصيف اليوم، ادراك عجز المتنافسين عن فرض اراداتهم وكسر ارادات منافسيهم، باي وسيلة كانت، دستورية او قانونية ناهيك على العجز عن الاستواء بالشارع والجماهير. ولذلك فإنه لا خوف من امكانية المرور الى انتخابات سابقة لاوانها دون “توافق جماعي”. ان الحوار الوطني، يمثل اليوم فرصة تاريخية لكسر الجليد بين رئاسات متنافرة، واحزاب متناحرة، وشخصيات سياسية متصارعة، إذ سيقوم على مبدأ “اللاغالب/ اللامهزوم” وسيخرج الجميع فائزون طالما ان تونس ستسفيد من نتائج هذا الحوار. يتميز المشهد السياسي اليوم اضافة لحالة “الاحتراب الشعبوية” والانقطاعات المؤسساتية، بحال نفور واسع من عموم التونسيين من السياسة والسياسيين، تقول ذلك كل عمليات سبر الآراء التي تؤكد ان حوالي 70% غير معنيين لا بهذا المشهد ولا زعمائه ولا احزابه، وليس ثمة حقيقة اية محاولات جدية، لقلب هذه الوضعية واعادة “اغراء” جماهير العازفين بمشروع جديد. واعتقد ان هذا الحوار قد ينجح في الدفع نحو اختراق هذه “الكتلة الرافضة” وذلك باقناعها بكون السياسيين يهتمون بمشاغلها ومعنيون بمشاكل البلاد. أن تونس بصدد دفع ثمن باهض لسوء إدارتها ازمة كورونا، التي لا شك أن المعطيات الاقتصادية التي تخص آثارها ستكون صادمة، تظهر مقدمتها في الوضعية المالية والاقتصادية و بعض الحركات الاحتجاجية الفئوية عن تحدياتها والتضخم وغلاء الاسعار. ولذلك فإن دفع اتجاه الحوار نحو الاقتصاد واولوياته والمالية وتحفيز الاستثمار والاستعداد لما بعد الوباء هو الامور الضرورية.

 

 

الاقتصاد فرصة التحولات الدولية

ان صعود الديمقراطيين إلى دفة الإدارة الأمريكية، وحاجة تونس إلى تكييف سياسته الداخلية وفقا لهذا المتغير لكسر عزلتها الخارجية، واعادة التموقع ضمن حلقات الاهتمام الدولي، هو معركة مهمة. ويتدعم ذلك بانفراج الاوضاع في ليبيا الشقيقة بما يعنيه ذلك من ضرورة اقتناص فرصة المصالحة الليبية على مستوين، الاول معرفي قيمي والثاني اقتصادي برغماتي. لقد جرب الاخوة في ليبيا لغة السلاح كأفضل ما تكون التجربة، موتى ودمار وجرائم ومرتزقة واستقواء بقوى ومحاور خارجية، ولكن الجميع تعب من ذلك، وانجز الليبيون سلاما شجاعا سينعكس ايجابا على حياتهم جميعا، هذا درس اخلاقي لمن يدفع في تونس نحو القطيعة والاقصاء والاحتراب، مع القناعة التامة بكون هذه القوى الاقصائية أعجز من ان تخوض معركة وأجبن من ان تشعل حربا. الدرس الثاني مفاده ان علينا الذهاب موحدين باقتصاد متحفز للاستثمار والتصدير لمساعدة الليبيين في اعادة الاعمار تحت قاعدة “لنكن جميعا رابحون” ولا يمكن ان يتحقق ذلك دون ايمان حقيقي بالحوار وتمثل لقيم المصالحة، مع رجال الاعمال ومع الشركات التونسية، وهو ما يستدعي ايقاف شيطنة رأس المال التونسي، والمسارعة باستكمال المسارات الضرورية لتحريره حتى يشرع في الاستثمار داخليا وخارجيا.

 

 

المنظومة السياسية  فرصة المراجعة

تشكو المنظومة التشريعية المؤسسة للبناء السياسي للجمهورية الثانية امراضا وعللا كثيرة، فمازالت تونس بعد عشر سنوات من الثورة وثلاث انتخابات تشريعية ورئاسيتين واخرى بلدية تشتغل بنظام المراسيم والاوامر والمناشير. ولم يعد مقبولا اليوم المحافظة على مرسوم الجمعيات والاحزاب والاعلام دون اصدار قوانين تبني على مكتسبات الثورة ولكنها تطورها نحو مزيد احكامها، وخاصة من جهة فرض الحوكمة والشفافية المالية ومراقبة مصادر التمويل وحمايتها من الوقوع تحت تأثيرات اللوبيات الداخلية والمصالح الخارجية. وقبل انطلاق الحوار، تكاد كل القوى تجمع على ضرورة مراجعة هذه “المقدمات” التشريعية لمزيد تجويد العملية الديمقراطية وحماية الانتخابات من التأثيرات والاختراقات.

 

خلاصة

لم اعثر في الحقيقة، وأنا المتابع المنتبه لتطورات الحياة السياسية في البلاد، فروقا جوهرية تمنع قيام حوار، وتحول دون مصالحة وطنية شاملة. فالمخاوف نفسها والشكوك المتبادلة وانعدام الثقة بين الفاعلين لها نفس الدرجة ونفس الاسباب، ويتم التعبير عنها بنفس اللغة والمصطلحات. والاجمل من كل ذلك أن الجميع يروم بمستقبل تونس المشرق وصلا، واحلام كل القوى هي نفسها، اطمئنان على السلامة الفردية وديمومة التنظيم في دولة مدنية ديمقراطية مزدهرة، فما الذي يمنع من تحويل الحوار الى فرصة تاريخية لتسوية تقطع مع احقاد الماضي وتفتح امام الأجيال الجديدة من شباب تونس وشاباتها، بابا على الامل وتغذي الآمال بتونس عصرية مدنية وديمقراطية. ان الموانع لا تتعدى عجز مجموعة من النخب المنغلقة على “ماضيها” و السجينة في “أوهام الايديولوجيات” السلفية المتنوعة، لذلك فإن جيلا سياسيا جديدا له رؤى وطنية وخطابا متحررا متوجها نحو المستقبل الرقمي والابداع هو المدخل الضروري لهذه المصالحات التاريخية الحاسمة. وفي انتظار ذلك نظل في “انتظار غودو/ والرسائل” التي قد لا تأتي لا بالحوار ولا بالمصالحة ولا بالحرب ولا بالسلم، فالنخب هذه عاجزة عن كل شيئ.

 

 

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin