ديمقراطية …. بلا ديمقراطيين

تاريخ النشر : 2021-03-17 - 10:00:43
207 : عدد المشاهدين

كتب المهدي عبد الجواد

 

مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟” انجيل متى 7: 16

 

يتحول الاستبشار بعهد الديمقراطية الى حالة حزن وحنين للنظام السابق، وحل اليأس محل الآمال الكبيرة التي تفجرت عشية 14 جانفي. وسرعان ما صار ذكر الثورة مدعاة للخجل وباعثا على السخرية، وصار تمجيد الماضي قاسما مشتركا بين تيارات سياسية واحزاب مختلفة يمينا ويسارا.من الحنين الى “زمن الصحابة” الى “زمن الصحوة” و “مجد الامة” و “فكر الطبقة العاملة للقرن التاسع عشر” وصولا الى “دولة الاستقلال” و”عهد بن علي”.

 

ضفاف تتبادل الاتهامات وتدعي جميعها العودة الى “الطهوريات” التاريخية والسلفيات العتيقة. مع هؤلاء تصاعد خطاب تبنى خطابات الثورة واستحضر شعاراتها وادعى تبنيه مطالب الثورة، والحال ان لا علاقة لهم بها، لا من جهة تمثل مفهوم الثورة فلسفيا ولا من جهة المساهمة في انضاج ظروفها ولا حتى في المشاركة فيها. قيس سعيد وائتلاف الكرامة وحزب التحرير وعبير موسي وحركة النهضة ليست محسوبة على الفكر الديمقراطي ولا تنتنمي عمليا الى “منطق التاريخ التقدمي” والحالة التصادمية الناشئة بينهم تعطل مسار تاريخ تونس الديمقراطي.

لقد فتحت 14 جانفي فرصة تاريخية جديدة، للمشروع الوطني العصري التونس حتى يتجدد، وحتى يلائم بين الدولة وبين الديمقراطية وثقافة حقوق الانسان، ولكن استحضار معارك الماضي الايديولوجية، واحقاد التاريخ وصبيانيات “جامعة الثمانينات” فوت على التونسيين فرصة الانخراط في التاريخ الكوني الجديد. يتبادل المتنافسون الاقصاء ويتنافسون في الغاء بعضهم البعض، يستحضرون ثقافة الالغاء ويحيي كل واحد منهم امراضه الايديولوجية المغلفة بحماسة الشباب واندفاع العواطف، وامام شاشات التلفاز يتبارز سياسيو تونس ونوابها بل ورؤساؤها.

تحولت تونس الى “ارض حرب”، برلمانها ومساجدها ومراكز القرار فيها في حال قطيعة، وثلاث رؤساء غرباء على الثورة وعلى الديمقراطية وعلى تاريخ تونس التحديثي وعلى احلام التونسيين والتونسيات. تحتاج تونس اليوم الى سياسيين مختلفين. يؤمنون فعلا بالديمقراطية، والحرية. فهما السبيل الوحيد الذي مكن الشعوب والامم من التقدم والابداع. فأن تكون ديمقراطيا تنتمي الى جيل تونس الجديدة فمعناه ان تؤمن بكون المعارك الحقيقية اليوم هي ضد الفقر والاقصاء الاجتماعي والجهوي والجنسي وهي ضد كل اشكال احتقار الذات الانسانية.

وهي فوق كل ذلك ايمان عميق بقيم حقوق الانسان واولها الحق في التفكير المختلف وفي المعتقد الحر. ولكن ذلك لا يستجيب بشكل كلي لانتظارات ملايين التونسيين والتونسيات من شباب متعلم، ومنخرط في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي. ثمة شبيبة تونسية اكثر ذكاء وعصرانية من اغلب النخب السياسية التونسية وهي اكثر كفاءة ومعرفة وعلما. ولكن اين نخب تونس من هذه المفارقات العجيبة و التحديات الحارقة. تحتاج تونس اليوم جيلا جديدا، حرا مبدعا خلاقا، جيل متحرر من كل أحقاد الماضي وامراضه، ومتحرر من ثقل معاركه الايديولوجية العتيقة، جيل يؤمن بالذكاء التونسي وينخرط في مشروع جماعي افقي عصري ديمقراطي وتحرري ينبذ الاقصاء ويؤمن بتونس جديدة.

هذا المشروع يجب ان يتجاوز معارك الماضي وتصنيفاته الفكرية، فلا معنى اليوم للمدارس القديمة ومعاركها التافهة، اي معنى للاسلاميين زمن الرقمنة، وللقوميين زمن الكونية وللماركسيين زمن العولمة والانفجار الرقمي.؟ تونس الجديدة هي “حلمة” اخرى ممكنة لا مكان فيها للهواجس والمخاوف ونزوات العنف والاقصاء. علينا ان نقطع مع هذه الاجيال الغارقة في امراضها، وهي عدوة للديمقراطية وتخشى الحرية ولا تستبطن غير قيم الاستبداد وامراضه. ان جيلا جديدا يجب ان ينتصر لتونس الاخرى الممكنة، دولة مدنية ديمقراطية حديقة “بالف زهرة والف لون” يتم فيها تقديس الحريات الفردية والاجتماعية وتحرير المبادرة و الغاء الرخص و تعصير الادارة.

تونس يتم فيها تقديم الخدمات اللائقة و تثمين منتوجات تونس في اسواق جديدة. بلد جذاب للاستثمار ويهتم بالبحث العلمي و التكنولوجيا و تحسين جودة التعليم. كل ذلك لا يمكن ان تضمنه هذه النخب المريضة بالشعبوية والمسكونة بأمراض الاستبداد والاقصاء. ان نحلم بتونس جديدة معناه تونس ناجحة مدنية ديمقراطية تقاوم الفساد والاقصاء والفقر والامية الرقمية، وتنخرط في العصر الجديد، عصر الخلق والابداع والابتكار.

هذا يتطلب جيلا آخر لان هؤلاء “غير ديمقراطيين”.

 

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin