في ذكرى الاستقلال: دروس التاريخ … و حتميات المستقبل

تاريخ النشر : 2021-03-20 - 19:00:39
149 : عدد المشاهدين

 المهدي عبد الجواد

تحل اليوم الذكرى الخامسة والستون(65) للاستقلال. وهي فرصة يستحضر فيها التونسيون ذكرى مجيدة، وحدثا تأسيسيا في تاريخ تونس. فقد كرس عيد الاستقلال وللابد “دولة تونس” مستقلة حرة ذات سيادة، وأطلق مسارا طويلا ومعقدا لتأثيث طبيعة هذه الدولة، ومضامينها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
لقد روى آلاف التونسيون بدمائهم الزكية هذه الأرض الطاهرة، وفي جبال تونس القصية وسهولها وهضابها وغاباتها من شمال البلاد الى الصحاري الموحشة قصص وحكايات تروي نضال رجال ونساء منسيون من هذا الشعب في جهاده الاصغر من اجل الحرية، وفي جهاده الأكبر من اجل البناء. فليس الامر محصورا في الحقيقة في لوحة شارع او نصب تذكاري او حديقة شهداء مهملة، بل هو اوسع من ذلك، فثمة اسماء منسية ومناضلين لم يذكرهم التاريخ ولا سيرة “الزعيم” ولا تراث “الحزب”.
خمس وستون عاما مرت تباعا، اندفاعاتها اقوى من انكساراتها، نجح التونسيون في صناعة “أمل مشترك” تظافرت فيه جهود الامة من اجل الرفعة والمناعة، فتم تعميم التعليم والصحة وتحرير القوى وفي طليعتها المرأة، وتمت عمليات التطعيم واللقاحات ضد الامراض والاوبئة والتنظيم العائلي، وتم نشر ثقافة عصرية في مشروع ثقافي وتربوي حضاري أشرفت عليه عقول “التنوير” من بورقيبة زعيما ملهما وخطيبا الى محمود المسعدي والشاذلي القليبي. وتكفل نقابيون عظماء بصياغة التقرير الاقتصادي والاجتماعي الذي نحت تونس الدولة التي نراها اليوم.
وفي خضم هذه المسيرة الرائعة والفريدة، تسللت الى بنيان الدولة الفتية أمراض الاستبداد و”وهن السلطان”، واندفع شباب مدرسة دولة الاستقلال الى الساحات المهنية والنضالية، وبعد ان كانت “الحاجة الاجتماعية” هي الأساس صارت المطالب بالديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان تغري أكثر فأكثر. وبعد مراكمات تاريخية طويلة، كان حدث 14 جانفي فرصة تاريخية جديدة، لتعزيز استقلال تونس وتدعيم دولتها وادراجها في “العصر الديمقراطي”. ولكن الآمال الكبيرة التي انفجرت بعد “الثورة” صارت تزداد خفوتا ويتلاشى معها الامل بتونس الجديدة، المستقلة والديمقراطية العصرية.
وليس غياب كل مظاهر الاحتفال بذكرى الثورة وبذكرى الاستقلال وقريبا عيد الشهداء الا علامات كبيرة دالة على حال “التيه” والاضطراب الذي تعرفه تونس. يسيطر على المشهد غرباء على تاريخ تونس الاصلاحي، ومشككون في تاريخها ومعادون لقادتها المؤسسين، وترتفع اصوات شعبوية، لا علاقة لها بتاريخ الحركة الوطنية التونسية اللهم ذلك الدرس السطحي في برامج المدرسة. ومع “عربدة الغوغاء وتشنج الهويات” ترتفع معدلات المديونية وبلغ الفقرا مبلغا قياسيا، وتتعطل مؤسسات الدولة وتغرق مرافقها العمومية.
بعد اكثر من ستين عاما من الاستقلال وعشر سنوات من الديمقراطية، يشعر التونسيون باليتم، فرغم تكرر الانتخابات وتبدل الوجوه والحكومات والرؤساء فان لا علاقة “فعلية” او “وجدانية” بين التونسيين و”حكامهم”. وتبقى ذكرى التواصل المباشر العاطفي والروحي مع زعماء تونس ذكرى يحن اليها الكثيرون. ومع هذا الشعور باليتم، يشعر التونسيون ايضا بكون تونس تفتقد “مشروعا مشتركا” يكون وطنيا وجامعا، يقطع مع الفساد والاقصاء وخاصة مع الرداءة السياسية والمعرفية والاخلاقية، مشروع ينهض على تحفيز الهمم لبناء المستقبل الذكي والرقمي والتطور.
في ذكرى الاستقلال نستحضر التاريخ، ونقف عند وقائعه وأحداثه نستخلص منها الدروس للعبرة والتخلص من الاحقاد والفساد وثقافة الاستبداد، ومن خلالها نفتح بابا على المستقبل، وبقدر تثمين نضالات الاجداد وتضحيات الاباء، فإننا مطالبون بالشروع في تأمين المستقبل، ولن يكون ذلك دون “سياسة عملية”، تتعالى على الاحقاد في تونس مدنية ديمقراطية وعصرية وتلك حتمية التاريخ، ومن لم يدرك ذلك، ولم يعمل لأجله فهو لا يقرأ التاريخ ولا يعتبر من دروسه.
Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin