قراءة في كتاب قيس سعيد للبرلمان

تاريخ النشر : 2021-04-05 - 13:30:33
129 : عدد المشاهدين

كتب سفيان الماكني 

 

 

 

 

يطرح نصُ جواب الرئيس قيس سعيد الى رئيس البرلمان حول رفضه ختم قانون المحكمة الدستورية المُنقّح وردُّه مجددا الى البرلمان جملةً من الملاحظات الشكلية والمضمونية مع طبقات للنص متراكبةٍ / دستورية وقانونية وسياسية وبلاغية أدبية واستعارية ايحائية ..

– إحياؤه لأشكال كلاسيكية في أدب المراسلات الرسمية يعتمد التدوين الخطّي ، مسافرا بنا الى عصر ما قبل الرقن والطباعة.. ! ( مع اضطلاعه شخصيا بفعل / موهبة النسخ والرسم والخطّ وإن كان للملوك والأمراء قديما كُتَّابٌ ونُسّاخٌ وورّاقون يُمْلون عليهم رسائلهم ..) فتنة تزويق الخط عند قيس سعيد مضافا اليها فتنة نبرة الصوت المتفاصحة..!

– اعتمد الجواب في نتوءاته البارزة ( عتباته : مُفتتحه خاتمته وتمفصلاته ..)التقليد الاسلامي من بسملة وتقديم التاريخ الهجري على الميلادي والتحية الاسلامية ( ووجه الطرافة هنا ان يُقدّم المرسِل تحية نفسه على تحية المُرسَل اليه في أوّل نصّ الجواب وآخره -“والسلام علينا وعليكم ..”

– ..لعله بصدد تذكيرنا بمعجزة المسيح الذي نطق في المهد فقال {والسلام عليّ يوم ولدت… }، وانه من غير دعاة الفتنة والاحتراب الاهلي على الرغم من رده مقترح القانون وعدم ختمه … كذلك لم يُعدم النص شكليات المراسلة الحديثة بين المؤسسات ..

– لم يَخْلُ النص في ثناياه من جهد لافت لاستدعاء المُحسّنات البلاغية البديعية ( الجناس والسجع والتضمين والتورية …) انتماء الى تقليد في الكتابة عريق محاولا اضفاء ضرب من الأدبية والشعرية ذات مسحة أكاديمية تقليدية محافظة

– حَشَد النص عددا وفيرا من الاستشهادات في سياق بناء حجاجه الرافض للختم على :

 

1 الاستشهاد القرآني : وقد افتتح به المُرسِل سياق الاحتجاج ( على عادة البُلغاء والفقهاء القدامى ..) تمّ استدعاء خمس آيات فضلا عن العبارات القرآنية المقتبسة سياقيا..وقد كان للقرآن دورٌ حجاجيٌ لغويٌ ومضمونيٌ ..ولعلّ المتفحّص في الآيات المُنتقاة يلاحظ أنّ ظاهرها استدلال وبرهنة على فكرة، أمّا باطنها فتورية وهجاء للبرلمان ورئيسه ( {اذا هم ينكثون} ، {على قلوب أقفالها } ، {ختم الله على قلوبهم.} .!)بل إن الآية الأخيرة تبدو بلاغيا في معرض الدعاء على البرلمان ورئيسه سُخطا وحَنَقًا على نكث البرلمان أحكام الدستور بعدم إرساء المحكمة الدستورية في أجل أقصاه سنةً من انتخابات 2014 ، وان كان السياق لغويا في البرهنة على اختصاص الرئيس بالختم.. ثم إن الاستشهاد القرآني الأوّل يومئ من طَرْف إيحائي خفي الى استشراف قُرب نهاية زمن الاغلبية البرلمانية الراهنة قانونا فيزيائيا عاماً في الكون والفساد وانتهاء الصلاحية : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } ( وعبارة أُمّة القرآنية تتعدّد دلالاتها من الفرد- ابراهيم كان امة – الى الجماعات والملل )

 

 

2 الاستدعاء الشعريّ : خصّت الرسالةُ الشعرَ بأبيات أربعة لأبي العتاهية ( الشاعر الزاهد ) ولعل في انتقاء الشاعر وابياته سعياً من الرئيس بالاتّصاف بهذه الصفة وهي الزهد ونكران الذات …مع نفي الجدارة وصفة أهلية الحُكم (فضلا على سوء التقدير) على رئيس البرلمان وبعض نوابه .. وليس لحاكم من لا يبالي *أأخطأ في الحكومة ام أصابا [ *الحكومة في البيت مصدر بمعنى الحكم والتقدير]

 

3 الاستشهاد اللغوي المعجمي / المفهومي والأدبي : وقد تعدّدت وجوهه بــ * ذكر المصنّف ومؤلفه ( التوابع والزوابع لابن شهيد الاندلسي ) * ذكر المصنف دون مؤلفه ( صاحب تاج العروس ) + ( صاحب التحرير ويعني التحرير والتنوير لابن عاشور *ذكر المؤلف دون تسمية كتابه ( سيبويه) [صاحب مؤلف الكتاب]

 

4 الاستشهاد التقني : الدستوري و القانوني والفقهي ( فقه القانون) ، وقد تعددت سياقاته بالفصول الدستورية والقانونية التي اعتمدها النص مع الاشارات الكثيرة الى الإخلالات الشكلية من قبيل :

* عدم المطابقة بين تاريخ المصادقة على التنقيح وتاريخ بعث المراسلة

* تذكير البرلمان أن اختصاص الختم ليس الا من صلاحيات رئيس الجمهورية حصرياً بصفته الضامن لإنفاذ القانون بختمه واحترام الدستور..

* الإلماع الى تعمّد حذف كلمة “تباعا” لانتخاب أعضاء هيئة المحكمة الدستورية وان الامر سيجلب على المتعمّدين ذلك الزوابع والقصف الشرعي من قبله ..

* تذكير البرلمان أنه و منذ اكثر من ست سنوات ( للدورة البرلمانية السابقة والحالية ) عجز / تعمد عدم انتخاب الاعضاء الموكولين اليه الا عضوة واحدة..! مع الايهام بالتوافقات/ النفاقية وهذا الفشل المتعمد لعدم انجاز الاستحقاق الدستوري للمحكمة ثم/ رغم ذلك يطلب من الرئيس ان يشارك في المهزلة ليكون شاهد زور،و بعد ان وضع البرلمان نفسه في موقف دستوري مستحيل، ولا ينفك عن الاستحثاث والاستنهاض ..

 

خاتمة تواترت في النص المرسل الى رئاسة البرلمان الحجج المتضافرة [ دستورية – فقه قانونية -معجمية / لغوية – أدبية (أخلاقية / دينية ) – سياسية …] لبناء موقف دستوري / قانوني ، يمتنع عن الختم ، كاشفاً حجم التلاعب السياسوي الوظيفي للجهات البرلمانية التي عدّلت قانون المحكمة الدستورية لقضاء مصالحها الضيقة على حساب تنصيب محكمة دستورية حقيقية تتعالى على مؤسسات الحكم ( البرلمان + السلطة التنفيذية برأسيها) وتحكم بينها بالعدل والقسطاس من غير اصطفافات ومحاصصات زبونية، وولاءات غنائمية وتسعى الى تبييض الحاكمين وتأبيد وجودهم العبثي في السلطة..

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin