معاركُ التعيينات … الهيمنة و أكذوبة الحياد

تاريخ النشر : 2021-04-16 - 20:00:05
130 : عدد المشاهدين

المهدي عبد الجواد   

 

” يتقاتلون على بقايا تمرة…”

نزار قباني 

انفجرت منذ مُدّة معركة جديدة ومُتجدّدة تتعلّق بالتعيينات في المناصب العُليا للدولة والمؤسسات العُمومية. ولئن احتلّت مسألة التعيينات “جوهر” العمل السياسي والمدني العام منذ الثورة، فإن عودتها وبشدّة بعد عشر سنوات من “حملة ديغاج” يظل أمرا غريبا.

لقد كانت مسألة الفصل بين “الاداري” و”الحزبي” مسألة جوهرية لدى النّخب الديمقراطية والحقوقية في نضالها ضد نظام الحزب الواحد الذي كان يستأثر بالتعيينات في كل المستويات. وبنى بواسطة ذلك شبكة “علاقات زبونية” سمحت له بالهيمنة على كل القطاعات و تشفير كل الفضاءات. ولم يكن غريبا ان تتوجّه جماعات “الضغط” الثورية مباشرة بعد 14 جانفي الى المؤسسات والمُنشآت العمومية والادارات ومراكز الحُكم لمباشرة “طرد” من تمّ اعتبارهم “رموز النظام” على اعتبار تعيينهم القائم على الولاء. وتمّ تبعا لذلك إفراغ الادارات من موظفين ومسؤولين كبار ولم ينج من ذلك ولاة ومعتمدون ومديرون ورؤساء مصالح وحتى عُمد ومشائخ.

غير أن البديل عن كل ذلك لم يكن عقلانيا، إذ لم يتمّ في تعيين البدائل تجاوز الآليات ولا الذهنية التي تحكّمت في خلفيات التعيينات، وظل الحال على ما هو عليه. تعيينات بالولاء ومحاولات للهيمنة وبناء علاقات زبونية جديدة. تغيّر المُشغّل ولم تتغيّر كيفيات التشغيل. اختفى الحزب الواحد الذي كان يستبد بالتعيين، وحلّت محلّه عشرات الاحزاب والمنظمات التي تروم خلافته في الهيمنة والسيطرة على الإدارة والفضاء العام عبر تعيينات الولاء.

بدأ الامر بهيمنة النقابات على تعيينات المُديرين ونُظّار المدارس الاعدادية والمعاهد الثانوية، وبالتدخّل في تعيين المديرين والمديرين العام، وبفرض بعض القطاعات مسائل “الكوتا” في الانتدابات، او الترقيات كما هو شأن “وزارة الخارجية” في علاقة بالسفراء والقناصل، واتحاد الشغل في علاقة بالمُلحقين الاجتماعيين. زاد الامر على حدوده مع فوز حركة النهضة بانتخابات 2011، حيث تمّ إدماج عشرات الآلاف من المُتمتعين بــ “العفو التشريعي” العام في الادارات، وتمّ الاتكاء على ما سُمّي “إصلاح المسار المهني” لتمتيع الآلاف من “حقوق” الارتقاء الآلي، فتمكنوا من الوصول الى أعلى درجات الوظيف وأعلى المناصب. وتمكنت النهضة من استمالة الكثير من “الموظفين” الخائفين من حملات الشيطنة والتخويف والهرسلة التي كانت سائدة في البلاد طلبا للحماية. وأدى ذلك الى وصول “فئة” جديدة الى مراكز القرار لا تتمتّع بأدنى شروط الكفاءة على التسيير والحوكمة ناهيك على القيادة والاستشراف.

نفس العملية  تواصلت بعد سنة 2014، مع حركة نداء تونس. حيث تمت تسوية الصراعات الداخلية بين الاجنحة و”الشقوق” المُتصارعة في الحزب، عبر “التعيينات”، فالذي ينجح أكثر من غيره في تعيين أنصارهُ يفوز بالمعركة. هكذا نجح نجل الرئيس وأصدقاؤه في تصفية خصومهم، وهكذا استطاع يوسف الشاهد خلافة “الحزب” والاستئثار بالحُكم. ولم تكن الكفاءة العلمية او الاخلاقية او المهنية معيارا مُهمّا في هذه التعيينات بقدر الحرص على “مضمون او موش مضمون”.

تواصل الامر الى اليوم، وبلغ التعيين بحسب الولاء حتى بعض الهيئات الدستورية او الوطنية. فبعيدا على الأعين يقوم رؤساء الهيئات الوطنية بتعيين من يشاؤون دون مرور الى التناظر، ويُعيّنُ الوزراء اصدقاءهم وصديقاتهم وحواشيهم مستشارين ومُكلفين بمهام، لا نسمعُ بها أحيانا الا عند نهاية الالحاق. كما يتم إلحاق عشرات الموظفين بالعمل في دواوين ومُنشآت عمومية تُمكّنهم من السيارات ووصولات البنزين والأكل علاوة على الجاه والسلطة و”الابهة” ومنافع السلطان الاخرى. ويتواصل الامرُ بلا ضوابط في تسمية كبار الموظفين والرؤساء المُديرين العامين، فليس ثمّة معايير وآليات علمية تُحدّدُ الحاجات، وتُبرمُ عقود عمل على أساس الاهداف وجدولة زمنية لإنجازها. فنحن في دولة “البعلي”.

ليس الاحتجاج على تعيين مديرة جديدة في شمس فم أو رئيس مدير عام في وكالة تونس افريقيا وقبلهما رئيسة مديرة الخطوط الجوية جديدا، ولكنّ تعيين مدير القناة التربوية ورئيس مدير عام الشركة التونسية للبنك وشركة فسفاط  قفصة وآخرين مرّ بهدوء. تُثيرُ تعيينات اللغط في حين يتمّ غضّ البصر على أخرى. ليس القبول راجعا للكفاءة العالية لدى من تمت تسميتهم، ولا الرفض راجعا لغياب الكفاءة عند من يتمّ رفضهم، ولكنّ الأمر يعود الى الصراع حول الهيمنة. ليست المعركة حول الصالح العام بل حول من ينجح في بسط نفوذه على “الادارة” و”الفضاء العام” و”الاعلام” عبر إعادة بناء علاقات الزبونية والولاء دون اهتمام بالكفاءة.

بعضُ ما تُعانيه تونس اليوم راجع اساسا الى غياب معايير الكفاءة في التعيينات، والى عدم التوفّق في إرساء آليات شفافة لحوكمة التعيينات بعيدا على المُحاباة والولاء. فمن المفروض ان يتم تحديد قائمة للوظائف والمواقع التي يُمكن لمن فاز بالانتخابات ان يقوم بتغييرها، وقائمة أخرى تُحدّدُ مناصب “مُحايدة” لا يجوز المساسُ بها، نظرا لحساسيتها او لعلاقتها بالأمن القومي او تواصل المرفق العام. ثمّة أيضا غياب لثقافة الشفافية في ذلك. فليس ثمة تناظر على الخُطط، ولا يتم تحديد عقد أهداف، ولا كيفيات للمُراقبة والتفقّد.

وإذا علمنا أن جزءا مُهمّا من الازمة السياسية في تونس يعود بشكل من الاشكال الى رغبة “الرئيس” في الهيمنة على الحكومة عبر تعيين وزراء يدينون له بالولاء، مقابل رغبة رئيس الحكومة ومن ورائه “حزامه” في بسط نفوذهم على الحُكم، نستطيع ان نفهم ان صراع التعيينات هو في حقيقته صراع الارادات المختلفة على الهيمنة على الحكم والدولة. وما دُمنا نُحلّلُ لأنفسنا من نُحرّمه على غيرنا، وما دامت الرغبة مازالت كامنة في الهيمنة فإننا سنظل بعيدين على الديمقراطية وعلى “عقلنة” الحُكم.

في جمعيات المجتمع المدني ووراء مكاتب الاحزاب المُغلقة يتم مكافأة الاصدقاء و”الصديقات” بالمناصب العُليا في المكاتب السياسية والتنفيذية، والمشاركة في دورات التكوين مدفوعة الاجر في فنادق فخمة بأموال دافع الضرائب الاوروبي، وفي الاعلام يتمّ تشجيع الأوفياء و”التابعين” بعقود محللين حسب الطلب، ليتحولوا الى قادة راي وحُرفاء المطاعم الفخمة والنّزل الساحلية. التعيينات معركة مجتمع تتعلّق همّته بدولة ديمقراطية قائمة على حوكمة مفتوحة وشفافية وكفاءة، وليست مجرّد كسر إرادات تحكمها نوايا الهيمنة والزبونية والولاء وقلة الكفاءة وأكذوبة الحياد.

 

 

 

 

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin