ياسمين تونس … بين أغلال “التمكين” وأقدام “المستبد العادل”

تاريخ النشر : 2021-07-27 - 14:00:05
104 : عدد المشاهدين

كتب: عريب الرنتاوي، مدير عام مركز القدس للدراسات السياسية

موقع المركز بتاريخ:  الإثنين 26 جويلية  2021

 

 

 

فاضت مشاعر المحبة لتونس والتونسيين، على معظم التعليقات التي تناولت التطورات الدراماتيكية التي شهدتها البلاد خلال الساعات الأربع والعشرين الفائتة، وجاءت مشفوعة بمشاعر القلق والتخوف، على انهيار أكثر ثورات الربيع العربي، نجاحاً وسلمية، وأقلها كلفة … لكن فيض المشاعر هذا، لم يخفِ طوفان الانقسامات حول المسألة التونسية، ودائماً من مواقع إيديولوجية وسياسية متناقضة.

ففيما طغت على ردود أفعال وتعليقات إسلاميين (وحلفائهم) ومحسوبين على محاور وعواصم عربية، مشاعر القلق والغضب والتنديد والاتهامات، عبرت عنها “لطميات” كثيرة واستعادات سريعة لخطاب “الشهادة” و”المظلومية” … كان فريق آخر، يحتفي بالحدث التونسي، شامتاً ومتربصاً ومتوعداً، لكأني به، يصفي حسابات داخلية، بعيدة عن المسرح التونسي للأحداث، وإذا كان يساريون وقوميون وعلمانيون وليبراليون، هم من بعض مكونات هذا الفريق، مع أن ليس كل من انتمى لهذه المدارس الفكرية، ابتهج بالحدث التونسي، إلا أن ثمة محاور وعواصم عربية، تغذي هذا الفريق، وتنفخ في قربه، امتداداً لنهج استئصالي في النظر إلى “الإسلام السياسي”، ونزعات عدائية متأصلة لثورات الربيع العربي وانتفاضاته.

في ظني أن الحدث التونسي، يستحق مقاربة، متخففة من الانحيازات الفكرية والعقائدية المسبقة، وبعيدة عن إسقاطات الانقسامات الداخلية في المجتمعات العربية، وهنا سنكتفي بتسجيل حفنة من الملاحظات التي قد تساعد على الفهم، مع أن الحدث ما زال في بواكيره، ومن الصعب التكهن بتطوره ومآلاته:

 

أولى هذه الملاحظات: أن “ثورة الياسمين” نجحت في خلق فضاء حريات وتعددية سياسية وفكرية وتداول سلمي للسلطة عبر صناديق اقتراع، وانتخابات عامة دورية ومنتظمة على امتداد العشرية الأولى للثورة … لكنها كانت “قصة فشل” في كل ما يتعلق بالبعد الاقتصادي – الاجتماعي – التنموي، حتى أننا لم نر منذ رحيل زين العابدين بن علي، أي منجز “عمراني” يُعتد به في تونس، فيما أحوال البلاد والعباد، كانت تسوء باطّراد، والضائقة الاقتصادية تشتد على الفئات الأكثر هشاشة، وتزيد من وطأتها جائحة صحية، اعتبرها الخبراء، الأسواء في العالم العربي والقارة الأفريقية….فشل الطبقة السياسية الجديدة في تونس على هذه المحاور، لم يعد موضع نقاش، لا في تونس ولا خارجها، وإن كان الاختلاف والتلاوم قد اشتدّ حول من المسؤول وبأي قدر، ومن يتحمّل العبء الأكبر، وكيف يمكن الخروج من الأزمة؟

 

ثاني هذه الملاحظات: تونس من بين جميع دول الربيع العربي، كانت الساحة التي ستشهد أكثر أشكال الصراع احتداماً بين علمانيين – مدنيين، وإسلاميين – إخوانيين، فالعلمانية متجذرة فيها منذ العهد البورقيبي، وهي تستند إلى أحزاب ومؤسسات ومدارس وطبقة مثقفة وإدارة عامة، فيما الإسلام السياسي في طبعته التونسية، ظل حاضراً في بنية المجتمع، برغم عمليات المطاردة والاستئصال التي تعرض لها في عهود سابقة … وبرغم محاولات بناء “توافقات وطنية” لضمان الانتقال الديمقراطي، إلا أن النجاح لم يحالفها كل مرة، وانحسرت نجاحاتها على “تقاسم كعكة السلطة” في كثير من الأحيان، فيما أولويات المواطنين، ظلت في الترتيب التالي على سلم أولويات أحزاب تونس ونخبها الحديثة.

 

ثالث هذه الملاحظات: لا يمكن تصوير ما حصل بوصفه “مؤامرة” على النهضة، حتى وإن كان هناك في تونس أو خارجها، من يضمر أشد العداء للنهضة والإسلام السياسي … نحن أمام انفجار لحظة متوترة في العلاقات بين مختلف المكونات والتيارات، ولا يمكن الاكتفاء بإعطاء صكوك البراءة لفريق دون آخر، فالنهضة لم تتخل عن موجبات نظرية “التمكين”، والعلمانية – اللائيكية التونسية، كانت شرسة واستئصالية في تعاملها مع الإسلام السياسي … الأحكام “المُبسّطة” هنا، لا تصمد طويلاً أمام الوقائع.

 

رابع هذه الملاحظات: أن تحولات السنوات العشر في المجال الديمقراطي، نجحت في رفع سقف الحريات، وضمنت إجراء انتخابات عامة متكررة، وتقاسم للسلطة وتداول عليها، بيد أنها أخفقت في “تنزيل” الديمقراطية إلى عمق الحياة الاقتصادية – الاجتماعية، غابت المحاسبة والمساءلة والعدالة الاجتماعية، وتفشى الفساد، وتعاظم دور المال السياسي، “الحلال” منه و”الحرام”، وتحصن فاسدون بقبة البرلمان وزعامة الحزب السياسي، وشُلّت عمليات التقييم والتقويم والمراجعة، في نظام برلماني هش، وفسيفساء حزبية مبعثرة وائتلافات هشة وحكومات ضعيفة، وتُرك التونسيون لمواجهة أقدارهم التي كانت تنذر بانفجار قريب.

 

خامس هذه الملاحظات: لا وجه للمقارنة بين ما جرى في تونس بالأمس، وما حصل في مصر في الثلاثين من جوان 2013 … هنا، رئيس منتخب بملايين الأصوات، لا غبار على شرعيته، وهو ما يزال يتمتع بقاعدة شعبية داعمة، حتى وهو يقود ما يصفه البعض بالانقلاب على الدستور والثورة، وهناك جنرال سيُجري بعد وصوله إلى السلطة، في انقلاب والبعض يسميه ثورة، انتخابات رئاسية يقال في نزاهتها ما يقال… الصورة معكوسة تماماً، والتشبيه قاصر.

 

سادس هذه الملاحظات: برغم شرعيته الانتخابية، إلا أن قيس بن سعيد، يحمل في أحشائه بذور “مستبد”، والمخاوف التي تنتاب كثيرين، بمن فيهم يساريين وعلمانيين وقوى مدنية تونسية، من العودة للاستبداد، هي مخاوف مشروعة … ويزيد الأمر تعقيداً وإثارة للمخاوف، اعتماد الرئيس سعيد على الجيش في تنفيذ مشروعه، وجمعه لمختلف السلطات والصلاحيات بين يديه، لكأنه وحده المؤتمن على دستور تونس وثورتها ومستقبل شعبها…يبدو أن التونسيين يجدون أنفسهم اليوم، بين خيارين أحلاهما مر: المضي في سياسة “عدم الإنجاز” تحت حكم طبقة سياسية ينخرها العجز والفساد والانقسام الداخلي، أو المراهنة على “وعد الإنجاز” تحت ظلال “مستبد يُقدم نفسه عادلاً”، ويتحدث بلغة أبوية ظننا أن تونس قد تجاوزتها … بين واقع قائم كئيب، ومستقبل مجهول، محّمل بوعود من دون ضمانات من أي نوع.

 

سابع هذه الملاحظات: وتتعلق بمستقبل تونس، أو سؤال أين من هنا؟ … هل تتجه تونس نحو سيناريو جزائري وعشرية سوداء؟ … هذا هو الكابوس الأشد خطورة والسيناريو الأكثر فداحة الذي يتعين تفاديه وسد كل المنافذ في طريقه … الحفاظ على سلمية الصراعات الداخلية، يبدو شرطاً وجودياً يتعين على الجميع عدم المقامرة بتبديده تحت أي ظرف وفي أي حال من الأحوال.

هل تعيد تونس انتاج تجربة “جوان المصرية”؟ … الأمر هنا يتوقف على دور الجيش الذي استدعاه الرئيس سعيد، بعد أن لزم ثكناته حتى في زمن الثورة على ابن علي، هل سيقبل الجيش بدور “القنطرة” التي سيستخدمها الرئيس لتمرير مشروعه، أم أنه سيقفز مباشرة إلى حلبة المسرح، طارحاً مشروعه الخاص، مثلما حصل بعد الإطاحة بالرئيسين مبارك ومرسي في مصر؟ … هذا سيناريو خطير ومتطرف كذلك.

 

ثامن هذه الملاحظات : هل تشتق تونس طريقها الخاص، كما فعلت أول مرة، وتتفادي السيناريوين، وتلوذ مجدداً بالحوار والتوافق وتتفعل أدوار الوسطاء من الفاعليات المدنية التونسية: الأعراف، اتحاد الشغل، الجمعيات الحقوقية والنسوية وغيرها …. هل يمكن الذهاب إلى “عقد اجتماعي جديد”، وبصورة لا تبقي البلاد خاضعة لفوضى النظام البرلماني، ولا تعيدها لعسف واستبداد النظام الرئاسي، هل يمكن إيجاد معادلة لنظام مختلط، يجمع بين دفتيه، فضائل النظامين المذكورين؟ … من سيقوم بالمهمة، وهل ثمة فرصة لحوار عاقل تديره عقول باردة.

 

تاسع هذه الملاحظات: ويتصل بالبعد العربي للحدث الوطني التونسي، وتكفي متابعة “حرب الشاشات” العربية حول الحدث التونسي، حتى تتضح أعماق ومخاطر التدخلات الإقليمية في الشأن التونسي، ورغبة عواصم ومحاور عربية، في مصادرة المستقبل التونسي، واستتباع “الخضراء” في مشاريعهم المدمرة.

 

عاشر هذه الملاحظات الأولية، وآخرها، ماذا عن المجتمع الدولي؟ … هل ستجلس الأطراف الدولية والإقليمية، على مقاعد المشاهدين والنظّار، تراقب كيف سيتطور الحدث التونسي… هل ثمة شبكة أمان دولية للتجربة التونسية، أم أن العالم ضاق ذرعاً بنخب لا تكل ولا تمل من صراعاتها الداخلية، فيما المواطنون والأوطان إلى انهيار، ألم يقدم لبنان درساً تحذيرياً لهذا النوع من النخب السياسية المفلسة، التي تعجز عن تشكيل حكومة، وتغرق في جدل عقيم حول جنس الملائكة، فيما البلاد تغوص في حالة من الإفلاس الاقتصادي والاجتماعي والمالي … تونس ليس لبنان، ولم يصل إلى ما وصل إليه من خراب عميم ومقيم … لكن من غير الحكمة، إسقاط سيناريو كهذا.

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin